مصر
  • 29℃ القاهرة, مصر

رئيس مجلس الإدارة

طارق لطفى

رئيس التحرير

أحمد أيوب

>

لا تفهمونا غلط ..

يا مصر بتعمليها إزاي.. 

قفزة تاريخية للمركز الـ 24 عالمياً.. بورصة النجوم تفتح أبواب أوروبا لـ لنجوم المنتخب

 


جسّد المشهد الكروي الأخير للمنتخب الوطني المصري في المونديال حقيقة تتجاوز مجرد حسابات المكسب والخسارة الرقمية المعتادة في المستطيل الأخضر، إذ تحول هذا الخروج الدراماتيكي والمشرف إلى نموذج حي لكيفية تحول الأزمة والمظلومية الرياضية الناتجة عن فساد الفيفا وظلم التحكيم الصارخ إلى قوة ناعمة جبارة تصب في صالح الدولة المصرية وتسوق لاسمها عالمياً، فقد أثبتت هذه الملحمة أن هناك هزائم بطعم النصرخاصة بعدما حقق المنتخب المصري انجازات وصلت للاعجاز داخل المستطيل الاخضر ، حيث غادرت مصر البطولة بجسدها ولكنها فرضت احترامها على الكوكب بأكمله وكسبت تعاطف الملايين، معلنة عن كبرياء دولة وشعب لا ينحني حتى في مواجهة أعتى منظومات الفساد الرياضي الدولي، وهو ما يفتح الباب واسعاً لاستثمار هذا الزخم التاريخي وتحويله إلى عوائد استراتيجية ممتدة على كافة الأصعدة السياسية والرياضية والتسويقية.
إن القيمة الأولى لهذا الخروج تمثلت في تفعيل القوة الناعمة والتسويق الدولي غير المدفوع الأجر، فمباريات كأس العالم تعد أكبر منصة مشاهدة كونية على وجه الأرض، وعندما قدم الفراعنة أداءً اتسم بالبطولة والرجولة والشرف، تردد اسم مصر في كل عواصم العالم بشكل إيجابي ومكثف، مما شكل حملة دعاية سياحية وسياسية وثقافية تقدر بمليارات الدولارات عجزت عن تحقيقها كبرى شركات التسويق، حيث رأى العالم بأكمله مصر القوية الفتية المكافحة، وتعاظم هذا الأثر بفضل عدالة القضية والدعم الكوني الجارف الذي تولد تلقائياً حين اجتمع فساد الاتحاد الدولي لكرة القدم الفيفا والظلم التحكيمي الفج أمام شاشات التلفزيون، لينقلب المشهد من مجرد منافسة رياضية إلى قضية أخلاقية وإنسانية انحازت فيها الغريزة البشرية الفطرية للمظلوم والمجتهد ضد المنظومة الفاسدة ، وراينا هذا عبر السوشيال ميديا ، وعبر الشاشات العالمية ، اندونيسيا انتجت فيلما للتاريخ رسوم متحركة يجسد الظلم التحكيمي ضد مصر ورواد السوشيال ميديا علي مستوي العالم عبروا عن استياءهم من فساد الفيفا والظلم التحكيمي ضد مصر وكل صاحب حساب عبر عن هذا بطريقته ، الأمر الذي حوّل المنتخب المصري من فريق يغادر المنافسة إلى بطل شعبي عالمي يحظى باحترام ومحبة جماهير من مختلف الجنسيات، وهو مكسب معنوي وسياسي يدوم أطول بكثير من الكأس نفسها، فضلاً عما أحدثه هذا الخروج من تعرية للمؤسسات الرياضية الدولية وكشف سياسة الكيل بمكيالين والفساد الهيكلي داخل الفيفا، مما يمنح الإدارة الرياضية والدبلوماسية المصرية أوراق ضغط قوية في المستقبل للمطالبة بإصلاحات حقيقية وتأمين حقوق المنتخبات الإفريقية والعربية ، وهناك اتحادادات ومتخصصين طالبوا بالانسحاب من الاتحاد الدولي لكرة القدم والانضمام لمصر لمحاربة الفساد في الفيفا .
وعلى الصعيد المحلي أدت هذه اللحظات التاريخية إلى تعزيز الهوية الوطنية والتلاحم الداخلي، حيث أعادت صياغة الالتفاف الشعبي حول راية الوطن اثناء مباريات المنتخب بشكل عام وبعد مباراة الارجنتين ، فالتشارك في الشعور بالظلم خلق حالة فريدة من التضامن القومي والوعي الجمعي توحد فيها الجميع خلف القيادة الفنية والسياسية لرفض هذا الإجحاف، مما عزز الجبهة الداخلية وزاد من روح التحدي والإصرار على العودة بشكل أقوى،وهذا ىالالتفاف حول المنتخب رايناه عربيا وكان هناك دعم عربي كبير للمنتخب الوطني  وتكامل هذا الالتفاف الجماهيري مع مؤشرات تسويقية وفنية غير مسبوقة بالأرقام، إذ تضاعفت القيمة السوقية الإجمالية للمنتخب الوطني بنسبة تجاوزت الأربعين بالمئة فور انتهاء دور المجموعات مدفوعة بظهور جيل جديد من اللاعبين المحليين والمحترفين الشباب الذين أثبتوا جدارتهم في مواجهة منتخبات الصف الأول عالمياً، وصاحب ذلك طوفان إعلامي رقمي تصدر فيه اسم منتخب مصر والهاشتاجات المتعلقة بالمظلومية التحكيمية التريند العالمي على منصة إكس ومختلف مواقع التواصل الاجتماعي لعدة أيام، مما دفع الحسابات الرسمية لكبرى الشبكات الرياضية العالمية مثل إي إس بي إن وسكاى سبورتس لتعيين مساحات واسعة لتحليل الأداء المصري الاستثنائي والإشادة بصلابته.
تجلت هذه الصلابة الفنية في أرض الملعب من خلال أرقام تعكس طفرة حقيقية، حيث برز الكابتن مصطفى شوبير بحراسة تاريخية وصلابة دفاعية نجح من خلالها في لفت أنظار اللجنة الفنية للبطولة، ودخل قائمة أكثر الحراس تصدياً للكرات الحاسمة في دور المجموعات وثمن النهائي محققاً معدل إنقاذات استثنائياً جعل الأوساط الرياضية العالمية تصنفه كأحد أفضل حراس هذه النسخة المونديالية، وبالمثل ظهرت المرونة الهجومية الفائقة عبر الثنائية الواعدة التي شكلها مصطفى زيكو وهيثم حسن تحت إشراف وقوة دفع من القائد والملك الفرعون المصري محمد صلاح، حيث اعتبرت هذه الثنائية من أسرع الخطوط الهجومية تحولاً من الدفاع إلى الهجوم في البطولة بأكملها وفقاً لإحصائيات الفيفا الخاصة بالسرعة والفاعلية في المساحات الضيقة، كما حصد الملك الفرعون نفسه مكاسب استراتيجية ضخمة من هذه المشاركة، إذ برهن على قيمته القيادية والفنية المطلقة وجعل الأندية الأوروبية الكبرى وجبابرة القارة العجوز يسعون بكل قوتهم لكي يضموه إلي صفوفها بعد أن أثبت قدرته الفريدة على صناعة الفارق وقيادة مجموعة من الشباب بامتياز تكتيكي مذهل، مضافاً ذلك إلى رصيده التاريخي الأسطوري وما حققه مع ناديه السابق ليفربول الإنجليزي الذي ودعه واختتم حقبته معه باكتساح أساطيره، بصفته الهداف التاريخي للريدز في الدوري الإنجليزي الممتاز برصيد مئة وثمانية وثمانين هدفاً والهداف التاريخي له في دوري أبطال أوروبا بسبعة وأربعين هدفاً وصاحب أعلى نسبة فوز بالمباريات في تاريخ النادي بنسبة تجاوزت الاثنين وستين بالمئة من أصل أربعمئة واثنتين وأربعين مباراة سجل خلالها مئتين وسبعة وخمسين هدفاً وصنع التمريرات الحاسمة بأرقام قياسية غير مسبوقة، متوجاً معهم بلقب البريميرليغ والشامبيونزليغ ومحطماً عشرات الأرقام المرعبة التي جعلت قيمته التسويقية والرياضية ثابتة لا تهزها الرياح.
كل هذه العوامل أسهمت في رصد ترتيب قوي للمنتخب الذي أنهى منافسات المونديال كبرياءً في المركز الخامس عشر بين الثمانية وأربعين منتخباً مشاركاً، وحقق قفزة نوعية في الترتيب العام ليحتل منتخب مصر حالياً المركز الرابع والعشرين عالمياً في تصنيف الاتحاد الدولي لكرة القدم الفيفا برصيد ألف وخمسمائة وسبعة وتسعين نقطة وأربعة أجزاء من المئة، وهو ما يمهد لمكاسب رياضية وسياسية بعيدة المدى أبرزها تغيير الصورة النمطية لدى كشّافي الأندية الأوروبية وصناعة علامة تجارية مميزة للاعب المحلي تثبت امتلاكه التأسيس البدني والتكتيكي للعب مباشرة في الدوريات الخمسة الكبرى، إلى جانب استعادة مصر لريادتها الإفريقية والعربية وتمكينها من قيادة المطالبة بالعدالة داخل الاتحاد الإفريقي كاف.
وإذا كان العالم قد انبهر بأداء الفراعنة على العشب فإن التصفيق الحقيقي وجزءاً أصيلاً من الثقل الاستراتيجي للإنجاز يجب أن يوجه إلى المايسترو القابع على خط التماس المدرب الوطني العميد حسام حسن، الذي أنهى تماماً عقدة الخواجة والمدرب الأجنبي المستورد التي استنزفت خزينة الكرة المصرية لسنوات بملايين الدولارات دون طائل، ليثبت أن ابن البلد بإمكانيات وطنية خالصة هو الأقدر على فهم سيكولوجية اللاعب المصري وشحذ همته وتحقيق السيادة الفنية الوطنية، حيث لم يقتصر عمل حسام حسن على الخطط التكتيكية بل امتد لإعادة صياغة الشخصية الكروية المصرية وصناعة التركيبة السحرية القائمة على روح القتال والرجولة حتى الدقيقة الأخيرة محولاً المظالم التحكيمية إلى شحنات حماسية تفجرت داخل اللاعبين الذين استلهموا كاريزما العميد التاريخية وظهروا بروح الكوماندوز التي لا تهاب الأسماء الكبرى، مدعوماً بشجاعة تكتيكية فائقة في الدفع بالوجوه الشابة والوثوق في مصطفى شوبير ومنح الحرية لزيكو وهيثم حسن ولاعبي المنتخب ، فضلاً عن نجاحه المبهر في خلق كيمياء استثنائية وتوظيف أمثل للنجم العالمي محمد صلاح ليتحول إلى قائد ميداني يذوب إنكاراً للذات من أجل المجموعة ويقود زملائه الشباب في لوحات هجومية ساحرة ، وهذه الاسباب كانت وراء تجديد الثقة في حسام حسن والطاقم الفني الذي يعمل معه .
وفي هذا المقام وأمام هذا النجاح الاستراتيجي الكبير للقيادة الفنية الوطنية، وجب توجيه أسمى آيات الشكر والتقدير والامتنان إلى السيد الرئيس عبد الفتاح السيسي، رئيس الجمهورية، الذي كان وراء هذا التحول التاريخي بفضل رؤيته الثاقبة ودعمه اللامحدود، فهو من عمل بكل حزم وإصرار على أن يكون المدير الفني للمنتخب مصرياً خالصاً نابعاً من قلب وعصب هذا الوطن، إيماناً من سيادته بأن الكادر الوطني هو الأقدر على قيادة سفينة الفراعنة والأنسب لطبيعة المرحلة التي تتطلب بناء الهوية واستعادة الكبرياء، وتأتي هذه الإشادة المستحقة بقرار القيادة السياسية لتؤكد أن الرهان على أبناء مصر المخلصين هو دائماً الرهان الرابح، حيث أثبت هذا التوجه الرئاسي الحكيم بعد نظر شديد في إدارة الملف الرياضي، وقطع الطريق على هدر الموارد في استيراد تجارب أجنبية لم تمنح مصر سوى التراجع، بينما أعاد هذا القرار صياغة مشهد الرياضة المصرية وصنع جيلاً من الكوادر الفنية القادرة على مجابهة العالم بعقل وروح مصرية خالصة.
إن هذا المشهد الختامي للمنتخب المصري يعكس جوهر الروح المصرية التي لا تعرف الانكسار، فبينما أرادت موازنات المصالح الفاسدة وظلم التحكيم إقصاء الفراعنة، انتفضت جينات الصمود والتحدي بفضل رعاية الدولة وعبقرية ابن البلد وتألق النجوم لتصنع من محنة الخروج منحة تاريخية للريادة والاعتراف الدولي، لتظل مصر دائماً أكبر من مجرد حسابات عابرة، وتثبت للعالم أن قيم الحق والعدالة والجهد تظل محفورة في وجدان البشرية، وأن النصر الحقيقي ليس دائماً كأساً يرفع، بل هو كبرياء وطن يفرض احترامه وعلمه على الكون بأكمله ويسير بخطى ثابتة نحو مستقبل يصنعه أبناؤه المخلصون تحت قيادة وطنية ترعى الإنجاز وتصون الكرامة.

مصطفى البلك
[email protected]